فخر الدين الرازي
103
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
جواز رؤية اللَّه تعالى : والثاني : أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل حيث قال : فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [ الأعراف : 143 ] واستقرار الجبل جائز والمعلق على الجائز جايز ، وهذان الدليلان سيأتي تقريرهما إن شاء اللَّه تعالى في سورة الأعراف . الحجة الثالثة : التمسك بقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ من الوجوه المذكورة . الحجة الرابعة : التمسك بقوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى [ يونس : 26 ] وزيادة وتقريره قد ذكرناه في سورة يونس . الحجة الخامسة : التمسك بقوله تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ [ الكهف : 110 ] وكذا القول في جميع الآيات المشتملة على اللقاء وتقريره قد مر في هذا التفسير مرارا وأطوارا . الحجة السادسة : التمسك بقوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً [ الإنسان : 20 ] فإن إحدى القراءات في هذه الآية : مُلْكاً بفتح الميم وكسر اللام ، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا اللَّه تعالى . وعندي التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها . الحجة السابعة : التمسك بقوله تعالى : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ المطففين : 15 ] وتخصيص الكفار بالحجب يدل على أن المؤمنين لا يكونون محجوبين عن رؤية اللَّه عز وجل . الحجة الثامنة : التمسك بقوله تعالى : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى [ النجم : 13 ، 14 ] وتقرير هذه الحجة سيأتي في تفسير سورة النجم . الحجة التاسعة : أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة اللَّه تعالى على أكمل الوجوه ، وأكمل طرق المعرفة هو الرؤية . فوجب أن تكون رؤية اللَّه تعالى مطلوبة لكل أحد ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى : وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ [ فصلت : 31 ] . الحجة العاشرة : قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [ الكهف : 107 ] دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلا للمؤمنين ، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز ، بل لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالا من ذلك النزل ، وما ذاك إلا الرؤية . الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] وتقرير كل واحد من هذه الوجوه سيأتي في الموضع اللائق به من هذا الكتاب . وأما الأخبار فكثيرة منها الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام : « سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته » واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي ، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم قرأ قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] فقال الحسنى هي الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه اللَّه ، ومنها أن الصحابة رضي اللَّه عنهم اختلفوا في أن النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم هل رأى اللَّه ليلة المعراج ، ولم يكفر بعضهم بعضا بهذا السبب ؟ وما نسبه إلى البدعة والضلالة ، وهذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلا في رؤية اللَّه تعالى ، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية . المسألة الخامسة : دل قوله تعالى : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ على أنه تعالى يرى الأشياء ويبصرها ويدركها .